تثير التجربة السياسية لحزبي العدالة والتنمية في تركيا والمغرب الاهتمام المتزايد من عدة جوانب، فهما من بين الاحزاب السياسية القليلة ذات التوجه الاسلامي التي كان لها دورفعال في المعترك السياسي بالمقارنة مع الدول العربية الاخرى.
وقد ساهم قرب تركيا والمغرب من أوربا وتأثير الحضارة الأوربية عليهما، وتأثر العلمانيين من كلا البلدين بالنموذج الغربي، في إبراز خصوصية الحزبين في المغرب وتركيا[1]. فعرف مؤسسوا حزب العدالة والتنمية التركي الحزب بكونه حزبا “علمانيا محافظا” واعتمد زعماء حزب العدالة والتنمية المغربي مبدأ “فصل الدعوي عن السياسي” أو ما يصطلح عليه ب”التمايز والشراكة”.
واليوم بإعتمادهما على آليات ومكانيزمات التسويق السياسي وتأطيرهما للفضاء العمومي أصبح حزبا العدالة والتنمية التركي والمغربي جزء لا يتجزء من الواقع السياسي في كلا البلدين. فأصبحا قوتان سياسيتان، أساسيتان، تحظيان بشعبية كبيرة في مجتمعهما، واستطاع كل منهما أن يصبح طرفا مركزيا في الحكم ورقما صعبا في المعادلة السياسية. ساهم قائدا الحزبين أردوغان وبن كيران في صنع هذا النموذج معتمدين ليس فقط على الكاريزما الفطرية ولكن كذلك على آليات التسويق السياسي في زمن لم يعد فيه مقبولا الاستمرار في الخط التقليدي، مما ساهم في تغيير الخريطة السياسية داخل البلدين.
سنقوم بتحليل كل ذلك من خلال التطرق الى المحاور التالية:
1-مفهوم التسويق السياسي وإستراتيجياته
2-حزبي العدالة والتنمية التركي والمغربي أية علاقة؟
3- التسويق السياسي في المغرب ابن كيران نموذجا
4-التسويق السياسي في المغرب حزب العدالة والتنمية نموذجا
5-التسويق السياسي في تركيا أردوغان نموذجا
6-التسويق السياسي في تركيا حزب العدالة والتنمية نموذجا
7-هل يشكل بن كيران أردوغان المغرب؟
1-مفهوم التسويق السياسي واستراتيجياته
ﺃﺿﺤت ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﺔ علما ﻳﻨﺤﻮ ﻣﻨﺤﺎ ﺟﺪﻳﺪﺍ في ﺍﻫﺘﻤﺎﻣﺎﺗﻪ ﻭﺍﻧﺸﻐﺎﻻﺗﻪ، ﻓﺒﻌﺪﻣﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﺩﺭﺍﺳﺘﻪ ﺗﺮﺗﻜﺰ ﺣﻮﻝ ﻣﻔﻬﻮﻡ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﻭﻏﺎﻳﺎتها ﻭﻛﻴﻔﻴﺔ مماﺭﺳﺘﻬﺎ، ﺃﺻﺒﺢ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﻭﺑﺸﻜﻞ ﻻﺯﻡ ﻳﻔرﺩ ﺣﻴﺰﺍ ﻛﺒيرﺍ ﻟﺪﺭﺍﺳﺔ ﺍﻵﻟﻴﺎﺕ ﻭﺍﻟﺘﻘﻨﻴﺎﺕ التي تمكن ﺭﺟﺎﻝ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻮﺻﻮﻝ إلى ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ، ﺃﻱ ﺍﻻﻫﺘﻤﺎﻡ بمفهوم ﺍﻟﺴﻠﻮﻙ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻲ ﻭﺑﺪﺭﺍﺳﺔ ﺍﻟﻘﻮﻯ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ ﺍلمتجهة نحو ﺍلحكم. ﻭ الحديث ﻋﻦ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﺔ ﻋﻠﻤﺎ ﻭمماﺭﺳﺔ ﻳﺴﺘﺪﻋﻲ ﺑﺎﻟﺘﺒﻌﻴﺔ الحديث ﻋﻦ مجال ﻇﻞ ﻟﺼﻴﻘﺎ بها ﻭﻫﻮ ﺍلتسويق، ﻓﻠﻢ ﺗﻌﺪ ﻋﻼﻗﺔ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﺔ ﺑﺎﻟﺘسويق ﺗﻨﺤﺼﺮ في ﺧﻄﺎﺑﺎﺕ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺒﺤﺚ ﻣﻦ ﺧﻼلها ﻋﻦ تهيج ﻭﺇﺛﺎﺭﺓ ﻋﻮﺍﻃﻒ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻭﺣشد ﻣﺸﺎﻋﺮﻫﻢ ﻟﻠﺤﺼﻮﻝ ﻋﻠﻰ ﺗﺄﻳﻴﺪﻫﻢ ﺃﻭ ﺃﺻﻮاتهم ، ﺑﻞ ﺍﺭﺗﻘﺖ ﺍلعلاقة ﻟﺘﺆﺳﺲ ﻟﻌﻠﻢ ﺍلتسويق ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻲ .[2]هذا الاخيرهـو نتيجـة المـزج بـين التسـويق والسياسـة حيث يمثـل اختراقـاً عمليا للمجـال السـياسي مـن خـلال التسـويق .[3]وهناك من يقول أن عملية التسويق لمنتج سياسي لا تختلف كثيرا في ماهيتها عن التسويق التجاري.
تعد نظرية التسـويق السـياسي وسـيلة ضروريـة للإحاطة ببعض التطـورات الغربية الحديثـة في الحياة الديمقراطيـة؛ لأنهـا تتيـح لنـا وصف ظواهر سياسـية معينـة من منظور العلوم السياسـية، في ظـل عدم قدرة العلـوم الأخرى على تفسـيرها. وتتمثـل هذه النظرية في الفعاليـات المختلفـة والمتعـددة، وتتركـز عـادة في الحمـلات الانتخابيـة والسياسـية، وهـذه الأهميـة تتـماشى تمامـا مـع التطـورات المعـاصرة للحيـاة السياسـية للمجتمعـات والدول الحديثـة، وقـد فسـرت التغييرات في بيئة الاتصالات السياسـية بأنها تمثل صعودا للتسـويق السـياسي وخاصة أن جميـع الحمـلات السياسـية والانتخابيـة الراهنـة في كثير من الـدول الديمقراطية في العالم تعـبر الانتقـال إلى مـا بعـد الحداثة[4] .بيد أنـه يوفـر نقطـة انطـلاق للتحليـل، وتسـويق الأفـكار والآراء التـي تتعلـق بالقضايـا العامـة أو السياسـية أو مرشـحين معينـين. وبشـكل عـام، فقـد تـم تصميـم التسـويق السـياسي للتأثـير في أصـوات النـاس في الانتخابـات، وهـو بالتالي يختلـف عـن التسـويق التقليـدي، حيـث يتـم تسـويق المفاهيـم بـدلا مـن المنتجـات، أو الخدمـات، ومـع ذلـك، توظـف تقنيـات عـدة ذاتهـا في تسـويق المنتجـات مثـل: الإعلانـات المدفوعـة، والبريـد المبـاشر، والدعايـة[5]. وببساطة فالتسويق السياسي هو إدارة الحملات الانتخابية سواء الرئاسية أو البرلمانية أو البلدية. وذلك من خلال برنامج إنتخابي وفريق عمل ومتطوعين ولقاءات تلفزيونية وصحفية من أجل الترويج لمنهجية او لفكر شخص سيخدم الوطن أوسيخدم المدينة التي ينتمي اليها فيضع أفكاره في برنامج من أجل إقناع الناس بتصويت له. وبالتالي فإن عملية التسويق السياسي لا تنتهي عند فوز المرشح في الانتخابات بل تستمر طول فترة حكمه و بقائه في السلطة. وخير مثال تتجلى من خلاله الأهمية الاستراتيجية للتسويق السياسي هو نجاح الرئيس الأمريكي “أوباما” في الوصول إلى السلطة، حيث قيل أنه الرئيس الأول الذي انتخب من خلال التويتر، وكان صانع هذا الانتصار الكاسح هو “ديفيد بلوف” مدير التسويق السياسي لحملة أوباما.
2-حزبي العدالة والتنمية التركي والمغربي أية علاقة؟
تاريخيا يمكن أن نتحدث عن مرحلتين في علاقة الحركة الاسلامية في المغرب بالتجربة الإسلامية التركية، أولها كانت في ثمانينيات القرن الماضي، وكان حينها أعضاء حزب العدالة والتنمية المغربي المنتمين أنذاك إلى تنظيمات إسلامية مختلفة، يراقبون عن كثب التجربة التركية ويحاولون الاقتداء بها لكونها سابقة في الانفتاح على المدخل السياسي قبل أي تجربة مغربية. كانوا يقتبسون حينها من التجربة التركية الجانب التصوري والنظري والفكري فقط. أما المرحلة الثانية فقد بدأت خلال التسعينيات حيث حصل الاحتكاك المباشر مع التجربة الإسلامية التركية من خلال مجموعة من اللقاءات لقادة حركة التوحيد والإصلاح مع المكون التركي، فنظمت لقاءات مع قادة حزب “الرفاه” وعلى رأسهم المهندس نجم الدين أربكان، الكمُكوّن السياسي لحركة “الفكر الوطني” التي كانت وما تزال تشكل أحد مكونات التجربة الإسلامية التركية، ومن هذه الحركة تناسلت مجموعة من الأحزاب السياسية ذات الخلفية الإسلامية، بدءًا من حزب “النظام الوطني” سنة 1971 الى حزب “الفضيلة” سنة 1999. قبل أن تعرف هذه التجربة تطورا فتنقسم الى حزبين: “السعادة” و”العدالة والتنمية”[6].
يشترك حزبا العدالة والتنمية التركي والمغربي في تأسيسهما المتأخر بعد مسارين طويلين من أجل نيل الشرعية القانونية.فقد تأسس حزب العدالة والتنمية المغربي سنة 1996 عقب عقد مؤتمر استثنائي لحزب الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية الذي انضم إليه قياديون إسلاميون في حركة التوحيد والاصلاح بعد أن حاولوا تأسيس حزبهم الخاص دون أن تقبل الدولة بذلك. أما حزب العدالة والتنمية التركي، فقد تأسس سنة 2001 بعد استمرار الدولة في حظر الأحزاب الإسلامية، ومنها حزب الفضيلة، الذي انشقت عنه مجموعة من الشخصيات منهم رجب طيب أردوغان وعبد الله غل[7]. كما يشترك حزب العدالة والتنمية التركي والمغربي في كونهما خرجا من رحم الحركة الاسلامية القريبة فكريا من الاخوان المسلمين- رغم ان البعض يعتبرهما اخوان مسلمين لكن في كل مناسبة يؤكد الحزبان انهما لا ينتميان الى هذا التنظيم العالمي -، فالحزب التركي اغلب قياداته المؤسسة للحزب تكونت في حركة “الملي كروش” أي حركة الفكر الوطني التي كان يتزعمها نجم الدين أربكان أبو الاسلام السياسي التركي ومهندس الحركة الاسلامية التركية، أما الحزب المغربي فقد تشكل انطلاقا من حركة التوحيد والاصلاح بعد أن اندمج بعض أعضائها مع حزب الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية سنة 1996، وفي عام 1998 قرر الحزب تغيير اسمه إلى حزب العدالة والتنمية، واتخذ المصباح رمزا انتخابيا له .
وما لا يعرفه الكثيرون أن حزب العدالة والتنمية المغربي كان سباقا في اختيار هذا الاسم وفي استعمال رمز المصباح من نظيره التركي، وحسب ما صرح به الدكتور المقرئ الادريسي أبو زيد أحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية المغربي. فقد زار المغرب بشكل سري مجموعة من قيادات الحزب التركي[8]، والنواب المنشقين عن حزب الفضيلة الإسلامي الذي تم حله بقرار صدر من المحكمة الدستورية التركية في 22 يونيو/حزيران 2001، حيث كانوا يمثلون جناح المجددين في حزب الفضيلة[9]. وبعد ستة أشهر من هذه الزيارة للمغرب أسس رجب طيب أردوغان وبعض رفاقه ـ وكان عدد الأعضاء المؤسسين آنذاك 63 شخصا ـ حزب العدالة والتنمية التركي. واختاروا له نفس الاسم ونفس رمز المصباح مؤكدين انفصالهم عن شيخهم نجم الدين أربكان.
انتخب رجب طيب أردوغان عمدة إسطنبول السابق وأحد البارزين في الحركة السياسية الإسلامية في تركيا أول زعيم للحزب، شكل هذا الحزب الجناح الإسلامي المعتدل في تركيا، ويحرص على ألا يستخدم الشعارات الدينية في خطاباته السياسية، ويؤكد أنه لا يحبذ التعبير عن نفسه بأنه حزب إسلامي، فهو حزب يحترم الحريات الدينية والفكرية ومنفتح على العالم ويبني سياساته على التسامح والحوار، ويؤكد عدم معارضته للعلمانية والمبادئ التي قامت عليها الجمهورية التركية، كما يؤيد انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، ويؤكد أنه سيواصل تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي يجري تطبيقه في تركيا[10]. ويركز الحزب في رؤيته السياسية على أنه ديمقراطي محافظ، يسعى الى تطويرالديمقراطية في تركيا ونشرها في المنطقة، ويشير مصطلح” الديمقراطية المحافظة” الذي ركز عليه إلى المحافظة على القيم والتقاليد والإرث التاريخي للدولة التركية، بما يتوافق بالضرورة مع التحديث والتقدم[11]. ويقدم اردوغان نفسه انه ليس رئيسا ذو توجه اسلامي، حيث ان خطابه الشعبي يتميز بالسلاسة والشمولية ويخاطب جميع فئات المجتمع، من إسلاميين وعلمانيين وقوميين، ويخاطب كذلك جميع القوميات، و يعتبر أن حزبه علماني اجتماعي محافظ. وقد صاغ أردوغان العلمانية التركية بشكل خاص حيث يعتبرها مبدءا من مبادئ الحرية الذي ينظم الدولة لا الفرد بل تسعى لإعطاء الحرية لهم. أما حزب العدالة والتنمية المغربي فيتميز بقاعدة مهمة في عمله عن الجماعة او كما يطلق عليها في المغرب بالحركة -التي يتواجد مجموعة من مؤسسيها في قيادة الحزب- بفصل الدعوي عن السياسي ويطلق عليه مصطلح التمايز والشراكة، و يشترك حزب العدالة والتنمية التركي مع المغربي في كونهما لا يعتبران انفسهما أحزابا اسلامية رغم ان الحزب المغربي يحرص على أنه ذو مرجعية إسلامية.
صيغة فصل الدعوي عن السياسي التي اعتمدتها حركة التوحيد والإصلاح في علاقتها بحزب العدالة والتنمية في المغرب، تتحدد بكونها علاقة شراكة استراتيجية بين هيئتين مستقلتين، ضمن مشروع إصلاحي واحد تتعدد مداخله، في إطار وحدة المشروع بدل وحدة التنظيم، وهي القاعدة التي تأسس في إطارها حزب العدالة والتنمية، وأعطته الفرصة لبناء رؤيته وممارسته السياسية في استقلال عن الحركة، وجعلته يختار ويؤكد في وثائقه، الاشتغال بالشأن العام وبالسياسات العمومية، وجعلت الحركة تركز في اهتماماتها على الجانب الدعوي والتربوي. والتمايز بين التنظيمين يتجسد في ثلاث مستويات مستوى مجالات العمل والخطاب والرموز والقيادات[12]. ولاشك ان هذه العلاقة هي التي جنبت اخوان بن كيران الفشل والسقوط، وبالتالي الاستمرار في قيادة العمل السياسي في المغرب خصوصا بعد البراكين والزلازل التي عرفها الربيع العربي.
3– التسويق السياسي في المغرب ابن كيران نموذجا
قد يكون التسويق السياسي في المغرب بعيدا عن نموذج أمريكا وبريطانيا، فالاحزاب المغربية بجميع مكوناتها تعاني من مشاكل حقيقية في تسويق منجزاتها الحكومية وذلك لعدة أسباب من بينها ضعف وسائل الإعلام. ولكن ورغم هذا المشكل فقد تمكن الأمين العام لحزب “العدالة والتنمية”، من التفوق في التسويق السياسي “المغربي” ونجح في التسويق لخطابه وكسب ثقة المواطنين. فقد جاء من وسط العامة، يتكلم لغة المواطنين بعيدا كل البعد عن لغة الخشب، ويفهم نوعية مشاكلهم . [13]يعتبر عبد الإله بنكيران الذي يوصف بالشعبوي لأن خطاباته تلامس الفئة الشعبية بالمغرب، أحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية الذي تأسس في أواخرالتسعينات من القرن الماضي. كما يعتبره كثير من السياسيين أنه الدينامو والعمود الفقري للحزب، الرجل الذي يوصف بالظاهرة في المشهد السياسي الجديد بالمغرب كان يشكل ومازال قوة كبيرة في السياسية المغربية، يؤكد دائمًا أن حزبه إصلاحي ويسعى إلى “الإصلاح في ظل الاستقرار” وهو شعار رفعه الحزب منذ توليه الحكومة، وهذا مفهوم وخطاب جديد في عالمنا العربي. دون أن ننسى إظهار الحزب المرونة الكبيرة وتقديم التنازلات من أجل البقاء حاضرًا في المشهد السياسي كرقم صعب في المعادلة السياسية المغربية المعقدة[14].
فازعبد الاله بن كيران في جميع الانتخابات الجماعية و الجهوية والبرلمانية التي خاضها في السنوات الاخيرة كرئيس لحزب العدالة و التنمية المغربي ذي المرجعية الاسلامية، ودافع بكل قوته من أجل كسب رهاناتها، أمام وجود منافسة شرسة خصوصا من طرف حزب الاصالة و المعاصرة. بن كيران الذي أصبح علامة تجارية نوعية بخطاباته الجماهيرية و التواصلية، ليس فقط بالنسبة لحزب العدالة والتنمية الذي هو أمينه العام حاليا، بل حتى بالنسبة لبلده المغرب حيث أصبح يقوم بتسويق سياسي مهم جدا له من خلال مجموعة من اللقاءات و الملتقيات الدولية و الوطنية؛ نخص بالذكر منتدى الجزيرة الذي حضره بدعوة من قناة الجزيرة وأيضا دعوة البرلمان الأوروبي له. و كثيرا ما نسمع المجتمع العربي من مفكرين وباحثين من مختلف الجنسيات العربية يثنون على استقرار المغرب و كيفية تدبير بن كيران للحكومة بل أصبح اليوم يمثل نموذجا للدول العربية، حيث ينعم بالامن والاستقرار المستمر بعد الربيع العربي وأصبح كثير من العرب يتابعون الشأن المغربي بدقة عكس ما كان عليه الحال من قبل. بن كيران الذي أصبح ظاهرة في المشهد السياسي المغربي، و تأكد ذلك جليا في الانتخابات البرلمانية الاخيرة، حيث كان يجوب المغرب طولا و عرضا من أجل المساهمة في الحملة الانتخابية لحزبه، وحيثما حل بن كيران في أي مدينة صغيرة أو كبيرة إلا وتجد الناس فرحيين به يسلمون عليه و يدعون معه و يأخدون صورا معه و هم سعداء بذلك و يبلغونه حبهم له. بن كيران لم يصل لذلك من فراغ بل بعمل دؤوب وإهتمام مستمر بالفئات الهشة حيث كان يحرص على إعطاء الأولوية لمصالح الفئات المستضعفة، والفقيرة، وكانت خطاباته يغلب عليها التواضع والالمام بمعاناة هذه الفئة من الشعب، أضف الى ذلك تركيزه في حديثه على مبدإ الوطنيته الصادقة وضرورة التضحية من أجل الوطن. وهذا ما مكنه من القرب من المواطنين وكسب ثقتهم.
لقد استعمل بن كيران تقنيته الخاصة في التواصل مع المواطنين. حيث كان يعزف على أوتار المشاعر الإنسانية، مما يجعل المواطن يتفاعل معه بطريقة إيجابية، كما أنه في كل مرة يشير إلى أهمية حب الوطن و الانتماء إليه والغيرة على الدين والحفاظ على المقدسات، فيجد المواطن نفسه بسهولة في خطاباته. ابن كيران من الذين يتقنون استعمال التعبير الاستعاري من خلال توظيف مصطلحات فضفاضة وصالحة لكل زمان ومكان من قبيل “التماسيح” و”العفاريت”. وهي طريقة ذكية تسمح بإطلاق العنان لمخيلة المتلقي فله أن يسقط المصطلح على الشخصية التي يراها تطابق المصطلح، وله أن يفهم السياق بالطريقة التي يريد. وبالتالي يظل انتباه المتلقي مشدودا. كما تتسم خطابات ابن كيران بالبوح والمكاشفة والمصارحة حتى يشعر المواطن بأنه قريب منه ويتفهم مشاكله وحاجياته. لقد نجح عبد الإله ابن كيران في ما فشل فيه غيره، وبدأ المواطن العادي يناقش المواضيع السياسية، ويتابع الجلسات الشهرية لرئيس الحكومة التي تحقق نسب مشاهدة عالية، وبدأ يهتم بالسياسة بعد أن كانت صورة الملل والرتابة لصيقة بها. فالتصالح الذي نشهده اليوم بين السياسة والمواطن هو وحده إنجاز لا يستهان به[15].
4-التسويق السياسي في المغرب حزب العدالة والتنمية نموذجا
تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية تجربة رائدة في مجال التسويق السياسي عبر قوة إعلامها، فهو مرتبط بالحملات الانتخابية الرئاسية والاستفتاءات والحملات التشريعية. تعتمد الولايات المتحدة الأمريكية مثلا على التسويق السياسي في الداخل الوطني بتوظيف الدعاية السياسية، وجذب الجمهور واللعب على الجانب السيكولوجي والاجتماعي للأفراد، بالإضافة إلى تقنيات التواصل التكنولوجي. وتستعمل التسويق السياسي في الخارج العالمي، حيث تستعمل كل تقنيات التسويق الإعلامي لسياساتها[16].
في العالم العربي مازال التسويق السياسي في بدايته، في طور التشكيل، عشوائي وغير منتظم، فهو حديث العهد بالدول العربية ولم يستخدم ويوظف بشكل أكثر إلا بعد مجيئ ما يعرف بالربيع العربي في مجموعة من الدول العربية كالمغرب[17]. وبالتالي فهناك كثير من معوقات اشـتغال التسـويق السـياسي التي يعاني منها المشـهد السـياسي المغربي، وضعف تأطير الفاعل السـياسي المغـربي في مجـال التواصـل والتسـويق السـياسي، والسـاحة السياسـية المغربية لم تدخـل بعـد بشكل كبيرنطـاق التسـويق السـياسي كونهـا تعيـش في مرحلـة الدعايـة، وضعـف التكويـن في هذا المجـال لـدى الفاعلـين السياسـيين والمرشـحين كآليـة ضروريـة في المجتمعـات الديمقراطية .[18]من جهة أخرى فإن حب الشعب لحزب العدالة والتنمية لم يأت من فراغ بل من خلال مجموعة من الانجازات التي عمل الحزب بكل قوته على التسويق السياسي لها؛ والتي قادتها الحكومة التي يرأسها.
هذه المكانة التي احتلتها حكومة حزب العدالة والتنمية راجعة بالأساس إلى الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية الكبرى والصعبة والاستثنائية التي قادتها الحكومة في مجموعة من المجالات وعلى رأسها الرفع التدريجي للدعم على المواد الأساسية المعروف بالمغرب بإصلاح صندوق المقاصة، وإصلاح أنظمة التقاعد والقضاء، والإصلاح الجبائي، هذه الإصلاحات التي يقودها الحزب تمس بشكلٍ مباشر الحياة المعيشية اليومية للسكان؛ هذا الأمر أدى إلى استقرار الاقتصاد المغربي، الذي كان من نتائجه ارتفاع الطلب الداخلي، وعودة الثقة في الاقتصاد المغربي من قِبل الفاعلين الاقتصاديين، بالإضافة إلى تخفيض نسبة العجز في الميزانية. هذه القرارات التي لم يجرؤ أي حزب من الأحزاب المغربية قبل العدالة والتنمية على الاقتراب منها خوفًا من نقصان شعبيته، ورغم ذلك مازال يتميز الحزب بشعبية كبيرة وواسعة، ويرجع مجموعة من المراقبين ذلك إلى قوة الحزب في خطابه؛ فهو يخاطب الفئات الشعبية لسكان الهامش والقرى والفئات الصغيرة والعمال، ولا يراعي نهائيًا منطق النخبة في خطابه وكذلك في اللقاءات الإعلامية للقياداته حيث يشعر الناس أنه واحد منهم ويخاطبهم بنفس لغتهم[19].
ولا شك أن فوز الحزب في جميع الانتخابات الاخيرة يبرهن بالملموس الى أي مدى نجح حزب العدالة والتنمية في التسويق السياسي لإنجازاته التي كانت لها صدى أمام المواطن المغربي الذي جدد الثقة في الحزب من خلال الانتخابات البرلمانية الاخيرة سنة 2016. واذا كانت فترة الحملات الانتخابية فرصة لأي حزب ليتبث ذاته ومدى استعداده وتفاعله مع آليات ومكانيزمات التسويق السياسي فإن حزب العدالة والتنمية المغربي كان من الاوائل الذين دخلوا في هذا السباق.
لم يقتصر حزب العدالة والتنمية المغربي في الانتخابات البرلمانية الاخيرة وفي غيرها من المناسبات، في دعايته على الوسائل الكلاسيكية، مثل القبعات والأقمصة البيضاء المطبوع فيها “لوغو” الحزب، بل استعان بوسائل التسويق السياسي الاكثر قوة وتنافسية، كشبكات التواصل الاجتماعي، و الحملات الانتخابية الإلكترونية. فتمكن الحزب بفضل أعضائه عامة وخليته التواصلية بشكل خاص، من تحقيق مكاسب سياسية معتمدا بالأساس على تقنيات التسويق السياسي الجيد للفترة الحكومية السابقة، وتسليط الأضواء الكاشفة على المنجزات حتى تبدو الصورة الإيجابية جلية، الحزب من خلال صفحته على موقع التواصل الاجتماعي، بدأ حملة تحت عنوان: “إنجازات حكومة بنكيران”، كما استعان حزب العدالة والتنمية بمقالات بعض المحللين السياسيين من أجل الحديث عن حصيلة بعض الوزارات. أما عن استعمال الحزب للغات الثلاث: العربية والفرنسية والإنجليزية، فالواضح أن العدالة والتنمية لا يوجه رسائله فقط إلى متتبعي الحزب من المغاربة ، ولكن هذه الرسائل يتم إرسالها أيضا إلى المجتمع الدولي، حزب العدالة والتنمية لا ينشط فقط عبر صفحاته الحزبية، بل حتى عبر صفحات وزرائه الذين يسوقون منجزاتهم ومنجزات أصدقائهم. كما يهتم الحزب بالزيارات الميدانية لقياداته في كل ربوع المغرب[20].
5-التسويق السياسي في تركيا أردوغان نموذجا
التسويق السياسي أكثر شمولاً واستمرارية من التسويق الانتخابي، هذا الأخير يكون لفترة معينة أثناء الحملة الانتخابية في حين أن التسويق السياسي يكون قبل وأثناء وبعد الحملة الانتخابية وبعد نجاح الزعيم. فالاستعمالات الأولى للتسويق السياسي ظهرت في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1952 في الانتخابات الرئاسية، وبالتالي فقد نشأت تقنيات التسويق السياسي في أمريكا، وعملت من بعد على تصديره لمجموعة من دول العالم كتركيا، فمجموعة من رؤساء الدول مثل أردوغان يعتمدون على التسويق السياسي في حملاتهم الانتخابية. وهو أسلوب لإدارة العلاقة التواصلية بين المنتج السياسي (الزعيم)، والمستهلك السياسي (الناخب)، ويقوم على ركيزة مهمة جدًا تتمثل في المعرفة الكاملة والدقيقة للشريحة التي يريد الزعيم التوجه إليها بالخطاب، ناهيك عن كونه علم يساهم في الصناعة الذهنية لدى الناخب بالترويج لفكر وشخصية هذا الزعيم. فالتسويق السياسي للزعيم أردوغان يكون قبل وبعد نجاحه في الانتخابات، بالاعتماد على الإعلام والدعاية السياسية باعتبارهم جزء لا يتجزأ من التسويق السياسي، وبالترويج للاسمه وشعاره وصورته ثم التعريف ببرنامجه في البرامج الحوارية[21].
وفي هذا السياق يشكل أردوغان رئيس الجمهورية التركية و قائد حزب العدالة والتنمية التركي، نموذجا متميزا للقائد الذي يحبه شعبه و يذود عنه في وقت الشدة ويضرب صمود الشعب التركي مع أردغان ضد انقلاب 15 تموز 2016 خير دليل على ذلك. ولا شك أن الانجازات و الاصلاحات الاقتصادية والاجتماعية في مجال الصحة و التعليم و القضاء و البنية التحتية التي قام بها اردوغان والتي شكلت نقطة انعطلاف في سير تركيا نحو مصاف الدول المتقدمة؛ تشكل أحد الاعمدة التي يرتكز عليه هذا الحب، فالرجل له شعبية ساحقة في بلده تزكيه شخصيته القوية و المحورية في الحزب و الحياة السياسية بصفة عامة؛ بالإضافة الى خطاباته الملهمة للجماهير و الرأي العام وتأطيره للفضاء العمومي التركي؛ فالرجل عندما إنسحب من الحزب ليتفرغ لرئاسة الجمهورية لم يستطع الحزب أن يتجاوز نسبة 41 في المئة من أصوات الناخبين في الانتخابات البرلمانية لسنة 2015، و بالتالي لم يستطع حزب العدالة و التنمية تشكيل حكومة بمفرده مما فرض عليه القيام بإجراء إنتخابات مبكرة في 01 نونبر 2015، ورغم الظروف الصعبة الحالية التي تمر منها تركيا من خلال شن حرب على داعش و على حزب العمال الكردستاني وعلى الجبهة الشعبية، وعلى الكيان الموازي وانعكاسات ذلك السلبية على اقتصاد التركي، مازال أردوغان مسيطرا على الساحة السياسية.
وعلى اعتبار أن التواصل خيار في السياسة وكما يقال “من لا يتواصل يموت أو على وشك الموت”، فالحزب يعتمد في تواصله السياسي على مجموعة من الوسائل لتعزيز الرأي العام أثناء محاولة ولوج السلطة أو أثناء ممارسة السلطة، وبالأخص على كاريزما قياداته خصوصًا رجب طيب أردوغان مؤسس حزب العدالة والتنمية التركي الذي يتميز بشعبية كبيرة داخل تركيا، ويسمى في تركيا بالخطيب لقوة خطاباته وإقناعه للرأي العام التركي وبالتحديد في المهرجانات الخطابية والمؤتمرات والملتقيات الجماهيرية التي تقام على مدار السنة في كل المدن التركية، فالحزب يستعمل هذه الشخصية كعلامة تجارية للتأثير على اتجاهات وأفكار الجمهور التركي بهدف إقناعه بقوة الحزب وحضوره، وتوظيف خطاباته وكلماته في فيديوهات تسويقية للحزب[22]. كما أظهرت قرراته الاخيرة قدرته القيادية الاستثنائية في تركيا، لهذا يعرف الاتراك قيمة الرجل و دوره المحوري في استقرارها، و تبقى الانتخابات الرئاسية لعام 2019 فصل جديد من فواصل دعم أردوغان و لتجربته المستمرة داخل تركيا.
6-التسويق السياسي في تركيا حزب العدالة والتنمية نموذجا
إذا كان التسويق السياسي عبارة عن مجموعة من التقنيات والأساليب، التي تهدف إلى إقناع الناخبين بتقديم الدعم والمساندة لمشروع سياسي أو شخص ما[23]. فإن النسق والبعد الأخلاقي حاضر بشكل كبير في المجتمع التركي من أجل اختيار حزب معين، فالسياسي الفاشل في حياته الشخصية في تركيا لا يزكيه الأتراك ولايثقون به ولايمدونه بأصواتهم في الإنتخابات. رغم أن الأمر قد يكون شخصيا يتعلق بزواج او طلاق أوسلوك اخلاقي، فحتى لو كان الحزب علمانيا ويعتبر بأن الحياة الشخصية للانسان شأن خاص به، و لا يؤمن بالاخلاق كما يؤمن بها حزب العدالة والتنمية التركي فإنه على المستوى السياسي لا يتهاون في أمر الانحراف الاخلاقي ولو بالمعنى الفردي مع السياسيين وما الفضيحة الأخلاقية للرئيس السابق لحزب الشعب الجمهوري “دينيز بايكال” الذي استقال من منصبه إلا خير مثال على ذلك. فرغم أن الحزب لايرى مشكلا في ذلك، إلا أنه لم يرحم رئيسه لأن الرئيس يجب أن يمتثل ويسوق للصورة التي تستميل ود الناخبين[24].وفي هذا السياق من القواسم المشتركة بين حزب العدالة والتنمية التركي والمغربي انهما يعملان على تخليق الحياة السياسية في بلديهما من خلال المصداقية والوفاء بالعهود،و نلاحظ كذلك أن قيادات حزب العدالة والتنمية التركي لابد ان يخرجوا في الانتخابات وفي غيرها من المناسبات ومعهم زوجاتهم وفي كثير من الاحيان مع اولادهم ولابد من ابتسامة ومن مظهر من مظاهر التماسك الاجتماعي، لأن فشل أسرهم الشخصية في المجتمع التركي يعني انهيارا لمشروع الحزب السياسي.
من خلال تتبع عملية التسويق السياسي في تركيا يتضح أن ما قام به حزب العدالة والتنمية التركي في السنوات الأخيرة، خصوصا قبل وأثناء وبعد الانتخابات البلدية، البرلمانية أو الرئاسية، أنه خطى خطوة جد متطورة في هذا المجال، ليس فقط مقارنة مع أحزاب العالم العربي بل حتى مع الأحزاب التركية القوية مثل الحزب الجمهوري وحزب الحركة القومية، فالتسويق السياسي عند حزب العدالة والتنمية التركي ليس هو التسويق الانتخابي بل أكثر شمولية وفاعلية، فهو يقوم على ركيزة مهمة تتمثل في المعرفة الكاملة والدقيقة للشريحة التي يريد الحزب توجيه الخطاب إليها، حيث يستعمل مفاهيم كلية مثل العدل والحرية والتنمية والاستقرار – هذا المفهوم الأخير كان شعار إحدى حملاته الانتخابية – التي لا خلاف حولها، وينتقل إلى جزئيات وتفاصيل تمس المواطن التركي بشكل مباشر كاستعمال الحزب وقياداته لرموز لابد من استعمالها في تركيا للوصول والاستمرار في السلطة مثل رمز أتاتورك مؤسس الجمهورية التركية، فالحزب يستعين بشركات مختصة في التسويق السياسي بالاعتماد على تقنيات التسويق التجاري مثل الإشهار كاستعمال اللوحات الإشهارية في الشوارع وأيضًا التلفزيون والراديو للدعاية للحزب – هذا الإشهار يسمى بالإشهار السياسي – أو الترويج لأعمال الحزب طوال فترة حكمه بواسطة مجموعة من التقنيات كالتواصل المباشر وجهًا لوجه من خلال توزيع المطويات والكتيبات، أو استخدام المجالات والجرائد والانترنت خصوصًا منه مواقع التواصل الاجتماعي كالفيسبوك، أو عن طريق الاتصالات الهاتفية أو إرسال الرسائل الهاتفية أو الإيميلات للتذكير بأنشطة الحزب أو أعماله[25].
7-هل يشكل بن كيران أردوغان المغرب؟
التسويق السياسي للشخصيات السياسية والزعماء يندرج في إطار ما يسمى بالخطاب السياسي الغير اللفضي والمتعارف عليه أكاديميا “بالسميولوجيا السياسية” وتجد الزعيم أو الرئيس يتفاعل مباشرة عن طريق التواصل الغير اللفضي –لغة الجسد “body language” بحيث يجب ان تكون حركة العين وحركة اليد وطريقة وقوفه وطريقة تفاعله متناسقة وألا تكون هناك فجوة لكي لا يحدث رد فعل عكسيضد الثأثير المطلوب في التسويق السياسي. ويشترك أردوغان و بن كيران في هذا النمط من الخطاب حيث يعيدان صياغة وترقيع الخطاب اللفضي الواعي بطرق غير لفظية يكون لها مفعول على مخيال المتلقي فالاثر هنا ليس مباشرا كاللفظ وإنما هو لا واعي بحيث يسيطر على المخيال الفردي والجماعي الشعبي. هذا النمط فعال جدا لأنه يأتي في تيار مستمر لأن السيطرة على المخيال يكون من دون تقطع بينما اللفظ والفلتات السياسية اللفضية تكون متقطعة حسب القضايا.
في الماضي كان ينظر إلى الكريزما الفطرية بكونها المحدد الأساسي للزعيم السياسي، أما اليوم فلم يعد هناك حاجة ان تكون هذه الكريزما قائمة بذاتها فقد أصبحت تقنيات التسويق السياسي كفيلة بتشكيل كريزما قوية وبصنع شخصية الزعيم[26]. أما عن اردوغان و بنكيران فهما يجمعان بين الكاريزما الفطرية ويعتمدان أساليب التسويق العصرية في آن واحد. فكل منهما له مستشار إعلامي له بدوره شبكة معارف في وسائل الإعلام يبث من خلالها صورة نمطية لما يريد ان يبدو به القائد امام شعبه.
بن كيران الذي لا يعرف حتى اسمه بعض رؤساء العالم العربي كما جرى في إحدى دورات الجامعة العربية، كان يقود المغرب نحو تقدم ملموس بدأت بعض ملامحه تظهر على المواطن المغربي بعد خمس سنوات من الحكم، تذكرنا بالبدايات الأولى للإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية في مجال الصحة والتعليم والقضاء والبنية التحتية التي قام بها أردوغان والتي شكلت نقطة انعطاف تركيا للوصول إلى مصاف الدول المتقدمة؛ فالرجلان – بن كيران وأردوغان – ليسا فقط يتشابهان في أن حزبيهما يحملان نفس الاسم والشعار بل أكثر من ذلك فكلاهما له شعبية ساحقة في بلده تزكيها شخصيته القوية والمحورية في الحزب والحياة السياسية بصفة عامة، إضافة إلى خطابهما الملهم للجماهير وللرأي العام، فبمجرد ما يستمع المواطن للرجلين إلا وينبهر بكلامهما ويقتنع برؤيتهما الإصلاحية[27].
رغم توفر مجموعة من النقط المشتركة بين الحزبين التركي والمغربي فإن الاختلافات بينهما واضحة وظاهرة تنطلق من طبيعة الحكم في كل دولة بين الملكية المختلطة -بين الدستورية والمطلقة- تميل الى التنفيدية في المغرب والجمهوري في تركيا يعرف تداول حقيقي للسلطة، فإن حكومتي العدالة والتنمية المغربي والتركي من النمادج التي مازالت محافظة على الاستقرار في بلديهما، فحكومة إسلاميي المغرب هي الوحيدة التي صمدت في وجه “ثورات الربيع العربي”، التي عصفت بالإسلاميين في باقي الدول العربية، حيث تسير نحو إتمام ولايتها الثانية. في حين أن حزب العدالة والتنمية التركي مازال يتمتع بشعبية كبيرة في المنطقة العربية وداخل تركيا، لما انجزه في فترته من تطور كبير لبلده بالاضافة الى مواقفه الشجاعة حول بعض قضايا الأمة. وبغض النظر عن الحصيلة والنتائج التي حققها الحزبين من الناحية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في بلديهما خلال فترة حكمهما والتي ترجح كفة حزب العدالة والتنمية التركي بدون منازع، فإن مسارهم في التسويق السياسي يتميز بالقوة والتميز والنوعية والحزبيين معا يركزان على استخدام مكانيزمات وآليات ووسائل التسويق السياسي خصوصا من طرف زعيمي وقائدي الحزبين اللذان لم ينهزما لحد الآن في أي انتخابات خاضاها.
[1] أحمد الريسوني، “ظروف نشأة الحركة الإسلامية في المغرب”، الجزيرة نت، 15-06-1999
http://www.aljazeera.net/programs/guest-and-an-issue/2005/1/10/%D8%B8%
[2]العربي الطليكي، ﻣﻘﺎﺭﺑﺔ ﻣﻔﺎﻫﻴﻤﻴﺔ ﻟﻠﺘﺴﻮﻳﻖ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻲ، بحث الاجازة، ليست منشورة، جامعة محمد الخامس، الرباط، 2014، ص: 5.
[3] عبـد ربـه عبـدالقـادر العنــزي، نظرية التسويق السياسي: المفاهيم والدلالات في المجال السياسي، (غزة: رؤى استراتيجية ، يونيو 2016)، ص -57.
[4] المصدر السابق، ص 50-51.
[5] المصدر السابق، ص57 .
[6] إدريس بوانو، هذه أسرار علاقة العدالة والتنمية المغربيّ بحزب أردوغان، هسبريس، 12يونيو 2013
http://www.hespress.com/interviews/81535.html
[7] اسماعيل عزام، هل يتشابه حزب أردوغان مع حزب بنكيران المغربي؟، دويتش فيله عربي ، 19.08.2014
http://www.dw.com/ar/%D9%87%D9%84-%D9%8A%D8%AA%D8%B4%D8%A7
[8] صرح بذلك الدكتور المقرئ الادريسي ابوزيد في حواره مع قناة فور شباب في برنامج علامات
[9] حزب العدالة والتنمية التركي، موسوعة الحزيرة، 2015/4/2
http://www.aljazeera.net/encyclopedia/movementsandparties/2015/4/2/
[10] حزب العدالة والتنمية (AKP)، الجزيرة نت، 2004/10/3
http://www.aljazeera.net/specialfiles/pages/2618b61c-4f04-4bef-b997-e8946055062f
[11] مجموعة مؤلفين، حزب العدالة والتنمية التركي دراسة في الفكرة والتجربة ( بيروت: مركز صناعة الفكر للدراسات والأبحات، 2016)، ص: 9.
[12] محمد الحمداوي، سبف عبد الفتاح، حسين قزاز، ورقات في التفكير الاستراتيجي (اسطنبول: المركز المغاربي للدراسات، 2017)، ص: 73-74
[13] أمينة فوزي زيزي، انتخابات 4 شتنبر .. محاولة للفهم، هسبريس، 17 شتنبر 2015
http://www.hespress.com/writers/277557.html
[14] زهير عطوف، بن كيران أردوغان المغرب، نون بوست، 06 مايو 2015،
https://www.noonpost.org/content/6541
[15] أمينة فوزي زيزي، مصدر سابق
[16] المصدر السابق
[17] زهير عطوف، التسويق السياسي: حزب العدالة والتنمية التركي نمودجًا، نون بوست، 18 مايو 2015،
https://www.noonpost.org/content/6699
[18]عبـد ربـه عبـدالقـادر العنــزي، مصدر سابق، ص 53
[19] زهير عطوف، بن كيران أردوغان المغرب، مصدر سابق
[20] احتدام الحملة الانتخابية بين الأحزاب بالعالم الافتراضي، اليوم 24، 2016-08-18،
http://www.alyaoum24.com/686371.html
[21] زهير عطوف، التسويق السياسي: حزب العدالة والتنمية التركي نمودجًا، مصدر سابق
[22] زهير عطوف، التسويق السياسي: حزب العدالة والتنمية التركي نمودجًا، مصدر سابق
[23] المصدر السابق
[24] Zouhair Attouf, “Politik Pazarlama İletişimi”, (Saarbücken: LAP LAMBERT Academic Publishing, 2016), s. 96
[25] زهير عطوف، التسويق السياسي: حزب العدالة والتنمية التركي نمودجًا، المصدر السابق
s. 37 [26] Zouhair Attouf, “Politik Pazarlama İletişimi”,
[27] زهير عطوف، بن كيران أردوغان المغرب، مصدر سابق

