تحتل منطقة الشرق الأوسط مكانة استراتيجية بارزة في الحسابات الأمريكية بسبب موقعها الجغرافي، واحتياطاتها الضخمة من الطاقة، ودورها المحوري في القضايا الأمنية والاقتصادية العالمية. وتُعتبر المنطقة مركزًا للعديد من المصالح الحيوية للولايات المتحدة، بما في ذلك تأمين مصادر الطاقة، ومكافحة الإرهاب الدولي، وتعزيز الاستقرار الإقليمي، والحفاظ على مكانتها الدولية كقائد للنظام الدولي. علاوة على ذلك، تلعب العلاقات مع دول الشرق الأوسط، وفي قلبه دول الخليج العربي، دورًا رئيسًا في التأثير على السياسة الأمريكية تجاه القضايا الدولية الكبرى؛ ما يجعل المنطقة عنصرًا حاسمًا في رسم استراتيجيات واشنطن على الساحة العالمية.
ومن الصحيح أنّ ثمة مناظرة كبرى دارت، وربما مازالت دائرة، في الأوساط السياسية الأمريكية منذ إدارة الرئيس باراك أوباما (2009-2017) عن التراجع النسبي لأولوية الشرق الأوسط على أجندة السياسة الخارجية الأمريكية، وتركيز الولايات المتحدة على منطقة الإندوباسيفيك، فإنّ التطورات اللاحقة دللت على عودة الاهتمام الأمريكي بالمنطقة لأهميتها الفائقة في الدور العالمي الأمريكي في هذه المرحلة الانتقالية من تطور النظام الدولي.
وعليه، تُسلط هذه الورقة الضوء على الأهمية الجيواستراتيجية للشرق الأوسط بالنسبة للولايات المتحدة، ثم تُعالج تاليًا الأهمية الاقتصادية للشرق الأوسط بالنسبة للاقتصاد الأمريكي. وأخيرًا، تختبر الورقة كون المركب الأمني الإقليمي للشرق الأوسط[1] حزامًا للأزمات والصراعات الدولية، وما يُمثله من تحديات منظورة وفرص ضائعة.
الأهمية الجيواستراتيجية للشرق الأوسط على خريطة المصالح الأمريكية:
ترتبط الأهمية الجيواستراتيجية للشرق الأوسط في الحسابات الأمريكية تاريخيًا وفي الوقت الراهن بالعديد من المتغيرات الحيوية التي تجعل المنطقة محورية للسياسات الأمريكية. تاريخيًا، كان الشرق الأوسط نقطة التقاء الحضارات، ومنطقة تنافس بين القوى العظمى بسبب موقعه الذي يربط بين القارات الثلاث (أوروبا وآسيا وأفريقيا)، وكونه ممرًا للتجارة ومصدرًا للطاقة، ولاسيما النفط والغاز، إلى الأسواق العالمية.[2]
وفي فترة الحرب الباردة، كان الشرق الأوسط مسرحًا للتنافس بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، حيث سعت كل قوة إلى توسيع نفوذها عبر تحالفات واصطفافات إقليمية متعددة. فمن ناحيتها، ركزت الولايات المتحدة على القوى التقليدية مثل تركيا ومصر ودول الخليج العربية وإيران في عهد الشاه، نظرًا لمواقعها الجيواستراتيجية وتأثيرها الإقليمي. وشهدت دول مثل العراق وسوريا ولبنان حروبًا بالوكالة وصراعات نفوذ بين القوتين العظميين. وكان هذا التنافس جزءًا من معادلة القوى التي شكلت السياسات الأمريكية تجاه المنطقة، كما أن قلب نظام التحالفات الإقليمية، مثل إعادة توجيه السياسة المصرية وإعادة هيكلة السياسة الإيرانية في السبعينيات (من القرن العشرين) من الاتحاد السوفيتي إلى الولايات المتحدة كان علامة فارقة.[3]
وتستمر أهمية الشرق الأوسط للولايات المتحدة حتى تاريخه بسبب عدة عوامل رئيسية، من أبرزها موارد الطاقة، حيث تمتلك المنطقة نحو 48% من احتياطيات النفط العالمية و40% من احتياطيات الغاز الطبيعي. هذه الثروات تجعل المنطقة حيوية للاقتصاد العالمي، وهو ما يؤثر على أمن الطاقة الأمريكي والعالمي. وبالإضافة إلى ذلك، تعد المنطقة مركزًا للنقل البحري العالمي، مع مرور نحو 20% من التجارة النفطية عبر مضيق هرمز، ما يجعل أي اضطراب فيه يهدد الاستقرار الاقتصادي الدولي.
وتلعب الأوضاع الأمنية والسياسية في الشرق الأوسط دورًا كبيرًا أيضًا في الاهتمام الأمريكي؛ حيث تشهد المنطقة تحولات وصراعات تمتد آثارها إلى الساحة العالمية، مثل التنافس بين القوى الإقليمية في المنطقة، وصعود قوى غير تقليدية مثل التنظيمات والميليشيات المسلحة؛ ما يدفع الولايات المتحدة للحفاظ على وجود عسكري قوي في المنطقة بهدف حماية مصالحها والحفاظ على الاستقرار.[4]
وبالإضافة إلى ذلك، تسعى الولايات المتحدة لموازنة النفوذ الإقليمي للقوى المنافسة مثل إيران وروسيا والصين؛ إذ تسعى إيران لبسط نفوذها في العراق وسوريا ولبنان، بينما تعمل روسيا على تعزيز وجودها العسكري والسياسي في سوريا وغيرها من دول المنطقة. كما يتنامى الدور الصيني، اقتصاديًا وسياسيًا وفي مرحلة لاحقة أمنيًا، في الشرق الأوسط، ولاسيما في منطقة الخليج. وتجعل هذه التحركات الشرق الأوسط ساحةً تنافسية بين القوى العالمية؛ ما يزيد من أهمية المنطقة في الحسابات الأمريكية.
أما عن حجم صادرات السلاح الأمريكية لدول الشرق الأوسط، فهو يتفاوت بشكل كبير من سنة لأخرى، وإن ظل الأعلى عالميًا؛ حيث تُعد الولايات المتحدة من أكبر مصدري الأسلحة إلى المنطقة. ففي السنوات الأخيرة، شهدت بعض الدول، مثل السعودية والإمارات وقطر، زيادة كبيرة في مشترياتها من الأسلحة الأمريكية، خاصة في مجالات الدفاع الجوي والطيران الحربي. فعلى سبيل المثال، بلغت صادرات الأسلحة الأمريكية إلى الشرق الأوسط حوالي 20 مليار دولار في عام 2020.
ورغم هذه الأهمية التقليدية، يشير بعض المحللين إلى أن الدور الأمريكي في المنطقة قد يتغير مع التحولات العالمية والإقليمية، مثل التقليل التدريجي للاعتماد على النفط والغاز، والصعود المتزايد لأهمية إقليم الإندوباسيفيك؛ حيث تواجه الدولة المتحدية (الصين) الولايات المتحدة، التي سوف تُحدد محصلة التفاعلات الدولية فيها هيكل النظام العالمي قيد التشكل.[5]
وبناءً عليه، يمكن القول باطمئنان إنّ الشرق الأوسط سوف يظل في صميم الاستراتيجية الأمريكية بسبب موقعه الجيوستراتيجي، ودوره كمصدر رئيسي للطاقة، وتأثيره على الاستقرار الدولي وعلى المنافسة بين القوى الكبرى. فهذه العوامل تجعل الولايات المتحدة تواصل تطوير سياساتها بما يضمن مصالحها في المنطقة على المدى البعيد.
الأهمية الاقتصادية للشرق الأوسط للاقتصاد الأمريكي:
يتمتع الشرق الأوسط بأهمية اقتصادية كبيرة بالنسبة للولايات المتحدة، وتظهر هذه الأهمية من خلال عدة جوانب مثل التجارة، والاستثمار، والموارد الطبيعية، خاصة النفط والغاز.

