الحكومة الصومالية وحركة الشباب.. واقع المواجهة ومآلاتها

مقدمة:

تثير المواجهة المندلعة في الصومال بين الحكومة وحركة الشباب تساؤلات عديدة تتعلق بواقع هذه المواجهة وأسبابها وطبيعة ميزان القوى على الأرض بين الجانبين، والاستراتيجيات التي يتّبعها كل طرف في محاولته لهزيمة الطرف الآخر، بالإضافة إلى مآلات هذه المواجهة. وتسعى هذه الورقة إلى الإجابة عن هذه التساؤلات عبر الحفر في جينولوجيا المواجهة بين الطرفين.

وتأتي أهمية هذه الورقة من خلال مجموعة من الأسباب، من بينها أن حركة الشباب أصبحت تشكل في الوقت الحالي محطة من أهم محطات التطرف العنيف في منطقة القرن الأفريقي؛ حيث باتت طموحاتها تتجاوز حدود الصومال إلى محاولة تأسيس فروع لها في بعض القوى الإقليمية في منطقة شرق أفريقيا مثل كينيا وإثيوبيا[1]، كما أنها نجحت خلال الفترة الماضية في تنفيذ عدد كبير من الهجمات داخل الصومال وخارجه، الأمر الذي أصبحت تشكل معه خطرًا ليس فقط على الحكومة الصومالية وإنما أيضًا على بعض البلدان المجاورة، وقد تسبب هذا الأمر في زيادة اهتمام القوى الدولية الكبرى بهذه الحركة ومحاولة القضاء عليها، مخافة أن يتحول الصومال بعد انسحاب القوة الأفريقية منه إلى أفغانستان جديدة.

أولًا: جذور المواجهة بين الحكومة وحركات التطرف العنيف في الصومال:

 تعود جذور أول صراع بين نظام الحكم والتيارات الدينية في الصومال إلى ما يناهز نصف قرن من الزمان، وتحديدًا إلى عام 1975 حين حصل أول صدام بين الطرفين في عهد الرئيس السابق سياد بري، وذلك على خلفية خطاب ألقاه هذا الأخير في يناير من ذلك العام، ودعا فيه إلى إعادة النظر في التشريع الصومالي؛ بحيث تتم مراجعته بشكل يضمن تكريس حقوق المرأة والإعلاء من مكانتها من الناحية القانونية، وقد جاء رد علماء الدين الصوماليين على ذلك الخطاب قويًّا، وتمثل في قيامهم بحملة مركزة في الجوامع استهدفت نظام الرئيس سياد بري بشكل عام ومشروعه حول حقوق المرأة بشكل خاص، وكرد منه على هذه الخطوة، عمد نظام حكم الرئيس سياد بري إلى الزج بأولئك العلماء ورجال الدين في السجون، قبل أن يقوم في وقت لاحق بإعدامهم[2].

بيد أن حركات التطرف العنيف التي تعدّ حركة الشباب امتدادًا لها، لم تتمكن من إيجاد موطئ قدم لها في الصومال إلا خلال مرحلة تسعينيات القرن الماضي، حينما تحول هذا الأخير إلى قبلة مفضلة للمقاتلين العائدين من أفغانستان من مختلف الجنسيات، الذين وجدوا في الصومال فرصة سانحة لإعلان “الجهاد” ضد ما يُعرف في أدبيات تلك الحركات بـ “العدو الأكبر”، ممثلًا” بالولايات المتحدة، التي تمركزت عسكريًّا في البلاد خلال تلك الفترة، وتحديدًا خلال عام 1992، تحت ذريعة ما عُرف حينها بعملية إعادة الأمل، التي بررتها واشنطن بمسؤوليتها المتمثلة بمبدأ الحماية الإنسانية تجاه هذا البلد، الذي كان يعاني حينها حالة احتراب أهلي مدمر ومجاعة قاتلة. ولكن سرعان ما انسحبت الولايات المتحدة تحت وقع ضغط هائل من الرأي العام الأمريكي بعد أن بثت وسائل الإعلام العالمية صورًا لجنود أمريكيين يتم سحلهم في شوارع مقديشو، من قبل مقاتلين في ميليشيات تابعة لأحد أمراء الحرب الأكثر نفوذًا في الصومال آنذاك، وهو محمد فرح عيديد[3].

بعد الانسحاب الأمريكي من الصومال عاد هذا الأخير ليشهد حالة من الفوضى والاحتراب الداخلي، الأمر الذي سمح لتنظيم القاعدة بإيجاد أرضية له في ذلك البلد؛ حيث سعى التنظيم إلى أن يجعل منه محطة يشن منها الهجمات ضد المصالح الأمريكية والغربية في منطقة شرق أفريقيا بشكل عام، ويتم على أرضها تدريب المقاتلين الجدد، وقد بلغ وجود التنظيم بشكل خاص وفي منطقة القرن الأفريقي أوجَهُ خلال النصف الثاني من عقد التسعينيات من القرن الماضي، حين تمكن من أن ينفذ مجموعة من عمليات التفجير والعمليات الانتحارية ضد المصالح الأمريكية والغربية في المنطقة، من بينها عمليتا تفجير استهدفتا السفارتين الأمريكيتين في نيروبي ودار السلام، وهما العمليتان اللتان حدثتا في شهر أغسطس من عام 1998، وزادتا من تخوف وهواجس كانت لدى الولايات المتحدة تتعلق بإمكانية أن يتحول الصومال إلى ملاذ آمن لقيادات تنظيم القاعدة المطلوبين لديها[4].

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *